الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

83

الاجتهاد والتقليد

والحقّ : أنّ هذه المسألة من مسائل التقليد ، ونحن الآن في صدد تنقيح الكلام في مبحث الاجتهاد ؛ [ و ] لعدم خلوّها عن المناسبة لما نحن بصدده لا ضير في تحقيقها هنا ، فنقول : لو علمنا بعدم وجود مفصّل بين عمله بمجتهده وعمل الغير به ، يكفينا في هذا المقام الإجماع المركّب ؛ وإن علمنا بوجود المفصّل ، كأن تقول يجوز للغير ، أو شككنا في وجوده ، لا بدّ لنا من إقامة الدليل على ما صار مختارنا . وربما يقال : يستفاد من كلامهم ، حيث يوجبون تقليد الأعلم ، أنّهم يفصلون بين عمله وعمل الغير ، فيحكمون بالجواز في الأوّل وعدمه في الثاني ؛ ولكن ذلك سهو ، لأنّ المتجزّي يمكن أن يكون أعلم فيما له قوّة الاجتهاد فيه من المطلق . فإنّ الأعلم يحتمل أن يكون المراد به الذي فعليّة استنباطه أكثر ، وأن يكون المراد به من يكون له القدرة الكاملة ، بحيث يتمكّن من إيراد الأدلّة المتعدّدة على حكم ؛ والظاهر من الأعلم المعنى الثاني ، ولأنّ من يحكم بوجوب تقليد الأعلم إنّما يكون ذلك الحكم على فرض وجود الأعلم ؛ وأمّا إذا لم يكن أعلم ، فالكلّ متّفقون على وجوب تقليد المجتهد المطلق ، ولسنا الآن في صدد أنّ أمر المقلّد إذا دار بين تقليد المتجزّي والمطلق ، يجب عليه تقليد أيّها ؛ بل غرضنا أنّه هل يجوز بالذات تقليد المتجزّي لو فرضنا انحصار المجتهد فيه أيضا أم لا ؟ فنقول : إنّ هنا صورا ثلاث : الصورة الأولى : ما لو كان مجتهد مطلق ومتجزّ ، والمفروض تساويهما من جميع الوجوه إلّا في الإطلاق والتجزّي ، ودار أمر المقلّد بين هذا وذلك . الصورة الثانية : ما لو دار أمره بين أن يقلّد المتجزّي الحيّ وأن يقلّد المطلق الميّت ، مع فرض سبق تقليده له حال حياته . وفي هاتين الصورتين مقتضى الأصل لزوم تقليد المطلق ؛ أمّا في صورة الأولى ، ففيها أصلان : أحدهما قاعدة الاشتغال ، بيانها : أنّ تقليد المجتهد المطلق مبرئ للذمّة قطعا ، وتقليد المتجزّي كونه مبرأ للذمّة مشكوك ، والقطعي بالاشتغال يقتضي القطع